من هو يسوع الذي يُدعى المسيح؟

من هو يسوع الذي يُدعى المسيح؟

القس إسبر عجاج

“فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: اسْكُتْ! اِبْكَمْ! فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ… فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!” (مرقس 39:4-41) وقالوا بعضهم لبعض: “من هو هذا؟”

لقد تحيّر الناس من معرفة هوية يسوع المسيح لسببين رئيسين:

السبب الأول: لأنه كان يجمع في شخصيته مختلف الألقاب.

السبب الثاني: لأنه كان يجمع في ذاته شتى المتناقضات.

فزكريا النبي يقول عنه بأنه ملك: “ابتهجي جدًا يا ابنة صهيون… هوذا ملكك يأتي إليك.” (زكريا 9:9) وإشعياء النبي يدعوه إلهًا فيقول: “قولي لمدن يهوذا: هوذا إلهك… يأتي… كراع يرعي قطيعه. بذراعه يجمع الحملان وفي حضنه يحملها، ويقود المرضعات.” (اشعيا 9:40-11)

حتى أن تلاميذه كانوا يتساءلون: “من هو هذا؟” لعلّهم كانوا معذورين لعجز عقولهم البشرية أن تدرك جوهر المسيح لأنه كان يجمع في ذاته شتّى المتناقضات.

ففي ميلاده رأوه طفلًا صغيرًا في مذود حقير، لكنهم رأوا أيضًا ملوكًا يأتون ويسجدون له ويقدمون له الهدايا.

وفي طفولته كان سبب رعب للملك هيرودس، وفي شبابه أخضع المرض والموت والطبيعة بكلمة من فمه.

لقد جاع كما الناس يجوعون، لكنه بخبزات قليلة أشبع آلاف البطون.

لقد بكى كما الناس يبكون، لكنه أقام لعازر المائت وسلمه إلى أخته الحنون.

لقد مات كما الناس يموتون، ولكنه قام من القبر منتصرًا على المنون.

لقد نام كما الناس ينامون، ولكنه قام وانتهر الريح والبحر فصار هدوء وسكون.

لقد تعب كإنسان كما الناس يتعبون، ولكنه كان يعطي الراحة لآلاف المتعَبين.

لم يحمل سيفًا ولم يجنّد جيشًا ولم يسفك دمًا إلا دم نفسه.

لم يصرخ ولم يسمِّع في الشارع صوته… قصبة مرضوضة لم يقصف وفتيلة مدخّنة لم يطفئ، لكن تعاليمه جعلت الناس يتحيرون ويتساءلون: “من هو هذا؟”!

“من هو هذا”؟!

سؤال لا يزال يتردد صداه في أذهان البشر الحيارى من جهة هذا الكائن العظيم.

سؤال شغل الأذهان في غابر الأزمان ولا يزال يشغلها في كل آن ومكان.

كان يأمر بكلمة من فيه ويحيّر الناس على ما هو فيه.

لقد أمر الموتى أن يقوموا فقاموا، والمرضى أن يُشفَوا فشفُوا. لقد أمر السمكة أن تحضرْ فحضرت، والديك أن يصيح فصاح، والتينة أن تيبس فيبست، والأرواح النجسة أن تخرج فكانت تطيعه.

كانت الأنبياء تقول: “هكذا قال الرب”، أما هو فكان يقول: “سمعتم أنه قيل للقدماء… أما أنا فأقول لكم”! “الحق الحق أقول لكم.”

هو صورة الله غير المنظور.

للإجابة عن هذا السؤال، “من هو هذا؟”، أودّ أن أضع أمام القارئ أربع نقاط:

– هو “الخالق” لكل المخلوقات

– هو الذي تمّت فيه كل النبوات

– هو الذي قام من الأموات

– وهو الذي إن آمنت به تنال الحياة

أولًا: هو “الخالق” لكل المخلوقات

كتب عنه يوحنا الرسول: “كان في العالم وكُوِّن العالم به.” (يوحنا 10:1)

وكتب عنه بولس الرسول: “فإنه فيه خُلق الكل: ما في السماوات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خُلق.” (كولوسي 16:1) “الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل.” (كولوسي 17:1)

ثم يتكلم عنه إشعياء النبي: “أنا الأول وأنا الآخر، ويدِي أسست الأرض، ويميني نشرت السموات… منذ وجوده أنا هناك، والآن السيد الرب أرسلني وروحه.” (إشعياء 12:48 و16)

ثانيًا: هو الذي تحققت فيه كل النبوات

يذكر لنا الكتاب المقدس عن أول نبوة كُتبت عنه عندما قال الرب الإله للحية في جنة عدن: “وأضع عداوة بينكِ وبين المرأة، وبين نسلكِ ونسلها. هو (أي المسيح الذي سيولد من نسل المرأة بدون زرع رجل) يسحق رأسكِ، وأنتِ تسحقين عقبه.” (تكوين 15:3) فالمسيح هو الشخص الوحيد الذي يمكن أن نسمّيه “من نسل المرأة بدون زرع رجل”، وهذه النبوة قد تمت إذ “لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبني.” (غلاطية 4:4)

ثم يتنبأ عنه إشعياء النبي أيضًا بأنه سيولد من عذراء بقوله: “ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه “عمانوئيل” [الذي تفسيره الله معنا].” (إشعيا 14:7)

ثم يقول عنه ميخا النبي بأنه سيولد في بيت لحم اليهودية لأنه هكذا مكتوب بالنبي القائل: “أما أنتِ يا بيت لحم أفراتة… فمنكِ يخرج لي الذي يكون متسلطًا… ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل.” (ميخا 2:5)

ثم نقرأ عن صلبه في المزمور الثاني والعشرين: “ثقبوا يديّ ورجليّ… أُحصي كل عظامي… يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون.”

وزكريا النبي يتكلم عن كيف أن يهوذا سيسلمه بثلاثين من الفضة، وعن شراء حقل الفخاري بهذا الثمن (زكريا 12:11)، ويذكر بأن جنبه سيُطعن بالحربة [بعد ما رآه الجندي أنه أسلم الروح] بالقول: “وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون اليّ الذي طعنوه.” (زكريا 10:12)

ثم تقول نبوة أخرى: “وفي عطشي يسقونني خلا” (مزمور 21:69)، وقد تحققت في إنجيل متى: “وللوقت ركض واحد منهم وأخذ إسفنجة وملأها خلاًّ وجعلها على قصبة وسقاه.”

ودانيآل النبي رآه في رؤى الليل فقال: “كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأُعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبديّ ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض.”

“وأقوال الأنبياء التي تقرأ كل سبت تمموها، إذ حكموا عليه… ولما تمموا كل ما كُتب عنه، أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبر.” (أعمال 27:13-29) حقًا، “له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا.”

[في العهد القديم، هناك 380 نبوة قد تحققت في المسيح، وجميعها جُمعت ودُوّنت في كتاب “المسيح مركز النبوات”، ويُطلب هذا الكتاب من مجلة صوت الكرازة].

لقد أعطى الله هذه النبوات الكثيرة كعلامات قبل مجيء المسيح بآلاف السنين حتى عندما يجيء يميّزونه ويتحققون منه. لذلك كان أهم برهان يقدمه المسيح لليهود هو تتميم النبوات بقوله:

“فتِّشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهي التي تشهد لي. ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة.” (يوحنا 39:5-40)

“لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني.” “أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح… قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن.”

وعندما التقى المسيح مع تلميذَي عمواس بعد قيامته قال لهما:

“أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء! أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده؟ ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسِّر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب.” (لوقا 25:24-27)

عندما ظهر الرب لموسى ليرسله إلى بني إسرائيل، سأل موسى الرب قائلًا: “إذا سألوني من الذي أَرسلك؟ فماذا أجيبهم؟ قال له الرب: قل لهم: “أهيه الذي أهيه أرسلني اليكم”، أو “أنا هو الذي أنا هو.” وإنني أظن أن هذا اللقب الذي لقّبه الله عن نفسه لهو من أحسن الألقاب الذي نقدر أن نصف به الله. فعندما تمرض، يقول لك الرب “أنا هو” الرب شافيك.

وعندما تكون تعبًا، يقول لك الرب: “أنا هو” الذي يريحك. وإن كنت حزينًا، يقول لك الرب: “أنا هو” الذي يعزيك، فهو:

للتعبان… معطي الراحة

وللجوعان… خبز الحياة

وللعطشان… ماء الحياة

وللحزين… المعزي

وللبنّاء… حجر الزاوية

وللمحامي… الشفيع الأعظم

وللقاضي… الديان

وللكاتب… الألف والياء

ولبائع الزهور… نرجس شارون سوسنة الأودية

ولعالِم الأحياء… الحياة

وللمنقب على الآثار… صخر الدهور

وللفلكي… نجم الصبح

وللكرام… الكرمة الحقيقية

وللفيلسوف… المذّخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم

وللمعلم… المعلم الصالح

وللاهوتي… ابن الله الحي

وللجوهرجي… لؤلؤة غالية الثمن

ولمحرر الأخبار… الأخبار السارة

ولجمعية الأمم المتحدة… رئيس السلام

وللطبيب… الطبيب الأعظم

وللخِراف… الراعي الصالح

وللذين يعيشون في الظلمة… نور العالم

وأعظم من الكل: للخاطي… هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم.

ثالثًا: هو الذي قام من الأموات

قال الملاك للنسوة اللواتي ذهبن إلى القبر حاملات الحنوط:

“لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟ ليس هو ههنا لكنه قام.” (لوقا 5:24)

وعندما اجتمع الرب يسوع مع تلاميذه بعد القيامة قال لهم:

“هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث. وأن يُكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم.” (لوقا 44:24-47)

وعندما رأى توما أثر المسامير في يديه وأثر الطعنة في جنبه صرخ قائلًا له:

“ربي والهي.” (يوحنا 28:20)

وبولس الرسول يكتب موضّحًا ومحقِّقًا عن قيامة المسيح بقوله:

“وأعرّفكم أيها الإخوة بالإنجيل الذي بشرتكم به وقبلتموه وتقومون فيه وبه أيضًا تخلصون… أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب، وأنه دُفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب.” (1كورنثوس 1:15 و3)

رابعًا: إن آمنت به ترث الحياة الأبدية

قال أحد المؤمنين الأفاضل: “قل لي ماذا تظن في المسيح وأنا أقول لك عن مصيرك الأبدي.”

“من هو هذا؟”

هو المخلص الذي جاء خصيصًا لكي يخلصك من خطاياك، لأنه أحبك. “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.” (يوحنا 16:3)

ويوحنا الرسول يختم إنجيله بالقول: “وآيات أُخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه، لم تُكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه.” (يوحنا 30:20-31)

يقول الرب يسوع: “من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني (فاديًا ومخلصًا) فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة.”

فهل خلصت؟ هل تقدر أن تقول “أنا عالم بمن آمنت”؟ ليس بما آمنت، لكن بمن آمنت.

أنا لا أقدّم لك تعاليمًا وطقوسًا ووصايا، لكنني أقدّم لك شخص المسيح، إن قبلته ربًا على حياتك، ومخلصًا لنفسك خلصت، وإن رفضته هلكت. لأن “كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه.” (يوحنا 12:1)

“لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت”.

Share this Post

Leave a Comment

Your email address will not be published.

*
*