الأمير النائم

الأمير النائم

الاخ بيتر صفا

في الثامنة عشر من عمره أُرسل حفيد أحد الأمراء للدراسة في لندن عام ٢٠٠٥. وفي فترة إقامته تعرَّض هو واثنين من أصدقائه لحادث سيارة بسبب السرعة الزائدة، فنتج عنه دخول الأمير الشاب في غيبوبة تامة نتيجة لنزيف حاد في المخ. وعلى الفور تم تشكيل فريق طبي على أعلى مستوى لمحاولة إيقاف النزيف، وللأسف فشلت كل المحاولات؛ وتوقع الأطباء أن تكون الوفاة ما بين ساعتين إلى ٧٢ ساعة. ولكن المفاجأة أن الأمير ما يزال على قيد الحياة، حتى لحظة كتابة المقال، يرقد في غيبوبة، مما جعل الكثيرين يطلقون عليه لقب “الأمير النائم” لاستمراره في الغيبوبة كل هذه السنين.

ويحرص والده على متابعة حالته بشكل دوري، وينشر صورًا وفيديوهات لابنه. ولما سُئل عن سبب إصراره على ذلك؟ صرح بأنه على الرغم من أن ابنه في غيبوبة عميقة، إلا أنه قادر على سماعه والاستجابة إليه بشكل قوي، وأن لديه كل الأمل في عودة ابنه مرة أخرى للحياة.

صديقي وصديقتي:

إن معاناة وآلام الأب – سواء كان أميرًا أو خفيرًا – على الابن بهذا الشكل لهو أمر مؤسف، ويثير الشفقة والتعاطف، كما أثارتني شخصيًا عندما طالعت الخبر. وقد أثار في عقلي أفكارًا دعني أشاركك ببعض منها:

رجاء ويقين

كم أبهرني التصرف النبيل لهذا الآب الأمير، في تمسكه بالرجاء في شفاء وإفاقة ابنه بعد غيبوبة طويلة (تزيد عن ١٦ سنة)، ويعمل كل ما بوسعه مُتمسكًا بهُدب الأمل ولو بدا ضعيفًا وبعيدًا!

قلت في قلبي: ليتنا نحن أيضًا نُصارع مع الرب ومع أنفسنا لإنقاذ نفوس في غيبوبة عميقة غارقة في نوم الخطية وسباتها. ورن في أذني الأمر الكتابي، أمر الإسعاف الإلهي الخطير: «أَنْقِذِ الْمُنْقَادِينَ إِلَى الْمَوْتِ، وَالْمَمْدُودِينَ لِلْقَتْلِ. لاَ تَمْتَنِعْ» (أمثال٢٤: ١١). وتذكرت ما ترنَّم به قلب كارز ملتهب محب للنفوس وهو يقول:

هل لهم في وقتك الغالي مكان        هل لهم في قلبك الساهي حنان

وعلينا أن نتمسك بالرجاء لأنه لا يستحيل على الرب شيء، ولا نطرح ثقتنا التي لها مجازاة عظيمة؛ فالذي أوقف نزيف امرأة استمر لمدة ١٢ سنة بلا توقف، والذي جعل رجلًا مفلوجًا (مشلولًا) لمدة ٣٨ سنة يقوم صحيحًا، يقدر أن يحيي أشر الخطاة ويخلص أشر الآثمين مهما صعبت حالتهم وطال شرهم.

نوم الغافلين

نتوجه بكل الحب لكل الأحباء الذين يستغرقون في نوم عميق غير مكترثين بالتوبة والعودة للرب، ونُنهض أذهانهم بالصيحة المباركة: «اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ» (أفسس٥: ١٤).

ولنتذكر كيف حُرمت العذارى الجاهلات من الدخول إلى العرس بسبب النوم وعدم الاستعداد «وَفِيمَا أَبْطَأَ الْعَرِيسُ نَعَسْنَ جَمِيعُهُنَّ وَنِمْنَ… أَخِيرًا جَاءَتْ بَقِيَّةُ الْعَذَارَى أَيْضًا قَائِلاَتٍ: يَا سَيِّدُ، يَا سَيِّدُ، افْتَحْ لَنَا! فَأَجَابَ وَقَالَ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ» (متى٢٥: ٥، ١١، ١٢). لذلك يقول الحكيم: «إِلَى مَتَى تَنَامُ أَيُّهَا الْكَسْلاَنُ؟ مَتَى تَنْهَضُ مِنْ نَوْمِكَ؟ قَلِيلُ نَوْمٍ بَعْدُ قَلِيلُ نُعَاسٍ، وَطَيُّ الْيَدَيْنِ قَلِيلاً لِلرُّقُودِ، فَيَأْتِي فَقْرُكَ كَسَاعٍ وَعَوَزُكَ كَغَازٍ» (أمثال٦: ٩-١١).

صحوة المؤمنين

النوم راحة وبركة لكن في وقته ومكانه «بَاطِلٌ هُوَ لَكُمْ أَنْ تُبَكِّرُوا إِلَى الْقِيَامِ، مُؤَخِّرِينَ الْجُلُوسَ، آكِلِينَ خُبْزَ الأَتْعَابِ. لكِنَّهُ يُعْطِي حَبِيبَهُ نَوْمًا» (مزمور١٢٧: ٢). أما كثرة النوم فلها أضرارها وخسائرها، ألم يخسر بطرس ورفقائه في تبعية المسيح في أهم لحظات الصليب إذ غلبهم النوم؟ مما استلزم توبيخ الرب لهم بالقول: «أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟» (متى٢٦: ٤٠). أيضًا الشاب أفتيخوس وكيف نام وكأنه في غيبوبة رغم أنه يوجد في العلية مصابيح كثيرة، وكانت العظة لبولس في الليلة الأخيرة، وللأسف: «وَكَانَتْ مَصَابِيحُ كَثِيرَةٌ فِي الْعِلِّيَّةِ الَّتِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهَا. وَكَانَ شَابٌّ اسْمُهُ أَفْتِيخُوسُ جَالِسًا فِي الطَّاقَةِ مُتَثَقِّلاً بِنَوْمٍ عَمِيق. وَإِذْ كَانَ بُولُسُ يُخَاطِبُ خِطَابًا طَوِيلاً، غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ فَسَقَطَ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ إِلَى أَسْفَلُ، وَحُمِلَ مَيِّتًا» (أعمال٢٠: ٨-٩). أما شمشون فقد خسر انتذاره، وفقد قوته، وقلعوا عينيه، بسبب غفلته ونومه في أحضان دليلة عندما: «أَنَامَتْهُ عَلَى رُكْبَتَيْهَا وَدَعَتْ رَجُلاً وَحَلَقَتْ سَبْعَ خُصَلِ رَأْسِهِ، وَابْتَدَأَتْ بِإِذْلاَلِهِ، وَفَارَقَتْهُ قُوَّتُهُ» (قضاة١٦: ١٩).

لذلك وجب التحذير: «اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ». (متى٢٦: ٤١).

«اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ» (١ بطرس٥: ٨). فاصح واسهر يا صديقي وتذكر أنك لست أميرًا بل ملكًا.

Share this Post

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*