!العليقة لم تحترق

!العليقة لم تحترق

الاخ انور داود

المنظر العجيب الذي لفت أنظار موسى ذات يوم من الأيام، أن الله أراه شجرة تشتعل فيها النار وهي لم تتوقد. أراد أن يوضح لموسى من خلاله أن شجرة العليقة، رغم منظرها الصعب فهي ترمز للشعب في أرض مصر، رغم حالتهم الأدبية المتردية الصعبة، حيث وصل الأمر بهم أنهم عبدوا الأوثان (يش 24: 2 ). ورغم نسيانهم للرب، حتى صراخهم المتصاعد الذي سمعه الرب ونزل ليخلصهم، لم يكن يتصاعد كصلوات للرب، على قدر ما هو آنات وتوجعات لسبب العبودية الثقيلة. لكن هذا الشعب هو شعبي وهذه العليقة أُسر أن أسكن وسطها “رضى الساكن وسط العليقة” (تث33: 14 ). وهذا الشعب أسر أن أخلصهم من عبودية فرعون وأسير بهم وهم يكونون لي شعبًا وأنا أكون لهم إلهًا.

 فالعبودية الثقيلة لم تنه، مثلما لم تنه النيران على العليقة، بل كما هو مكتوب: “على قدر ما أذلوهم هكذا نموا” ( خر1: 12). فرغم المحاولات المستمرة بإفناء الشعب بقتل كل ابن ذكر عن طريق القابلتين أو عن طريق طرحه في البحر، إلا أن الشعب نما جدًا كرمل البحر من الكثرة.

هكذا المؤمن المُجرب، قد تتوقد فيه نيران البلوى المحرقة (1بط4 : 12)، وقد يسمح الله له بتجارب متنوعة، لكنه لا يحترق أو يتوقد. فالنيران لا تأخذ منه سوى الضعف والفتور والفشل والقيود، نظير الرجال الثلاثة، عندما طرحوهم في أتون النار المحمى سبعة أضعاف، لم تكن للنار قوة على أجسادهم ولم تحرق منهم سوى الوثق، للدرجة التي فيها صاروا يتمشون في الأتون مع الرابع الشبيه بابن الآلهة، أي اختبروا وعن قرب لذة الشركة مع الرب.

والسؤال الآن:

ما الذي يجعل النيران لا تؤثر على المؤمن؟ هناك عدة أسباب:

اولا: رئيس الكهنة الذي يعين المجربين: الذي يرثي لضعفاتنا ومن خلال عمله عندما يتقدم المؤمن بثقة إلى عرش النعمة ينال رحمة ويجد نعمة، عونًا في حينه (عب4: 16). فهناك معونة خاصة في توقيت خاص، لن يأخذها المؤمن إلا بمكوثه أمام عرش النعمة. والرب لكونه تألم مجربًا بكل صنف من أصناف الألم، يقدر أن يعين المجربين (عب2 :  18). 

ثانيا: استقبال الأمور من بين يدى الرب: تدرب المؤمن مبكرًا ألا يأخذ شيئًا، سوى من بين يدي الرب وهذا الأمر يملأ قلبه بالسلام، لأنه يستريح على الصلاح الذي يملأ  قلب الرب وهذا يخفف من ألمه أو يشجعه. إن الله لا يقصد من وراء ألمه سوى الجود والخير “من الآكل خرج أكل ومن الجافي خرجت حلاوة” (قض14: 14) “لأن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الرب” ( رو8:  28).

ثالثا: الاستناد على كلمة الله: فهي سبقت وتكلمت عن الألم الذي ينتظر المؤمن “سيكون لكم في العالم ضيق لكن ثقوا أنا قد غلبت العالم” (يو16: 33)، “لقد وهب لكم لا أن تؤمنوا به فقط بل أن تتألموا لأجله ” (في1 :  29). والعذراء مريم مثال في هذا، فلأنها سمعت من فم سمعان وأنت أيضًا يجوز في نفسك سيف (لو2: 35)، عندما تحقق ما قاله سمعان كانت واقفة عند الصليب صامدة ثابتة “وكانت واقفات عند صليب المسيح ..أمه” (يو19: 25). بأي طاقة نفسية وجسدية وقفت عند الصليب، وقفت لأنها تعلم أن الرب يتألم لا من يد البشر بل وفقًا لمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، وهي تتألم وفقًا لما سبق وقاله له سمعان البار.

رابعا: الإكليل الذي ينتظره: كتب يعقوب للمؤمن الذي يحتمل التجربة هذا الوعد المشجع “طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة الذي وعد به الرب الذين يحبونه” ( يع1: 12). وبولس كتب للمتألمين بالوحي مشجعًا إياهم “لأن خفة  ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبديًا” (2كو4: 17). فنيران التجارب تزيد الذهب نقاوة ولمعانًا ولا تأخذ منه سوى الشوائب “الذي به تبتهجون مع أنكم الآن إن كان يجب تحزنون يسيرًا بتجارب متنوعة.  لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني مع أنه يمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد عند استعلان يسوع المسيح” (1بط1: 7-8).

وفي الختام، لا أجد توضيحًا لاحتمال التجارب مثل المثال المعاصر وبالتحديد في حادثة تفجير البطرسية، حيث ظهر ثبات الكثيرين. لكن تميزت أم الطفلة ماجي التي رقدت بعد الحادث بعد أيام وهي الفتاة ذات 13 عامًا، لكن ظهر روعة إيمان الأم الذي تكلم عنه الكثيرون في وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة وهي تقول: “لا تبكوا على بنتي.  فنحن نربي أولادنا علشان يروحوا السما وماجي راحت السماء”، بل ظهر شكرها وثباتها وهي تعزي الذين جاءوا لكي يعزوها، وأظهرت بثباتها الإيمان الواثق في الرب وفي معاملاته. حقًا إنها كانت مثل العليقة التي تشتعل فيها النيران وهي لم تتوقد.        

anwerdaoud@yahoo.cm

Anwar Daoud | Facebook

Share this Post

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*