هبة الألم

هبة الألم

الاخ خالد فيلبس

«لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ» (في1: 29)

ليس من المعتاد على الإنسان أن يقبل الألم كما يقبل أية عطية أو هبة أخرى من يد الله الصالحة، إذ إنه، في غالب الأحيان، يعتبر الألم ضريبة وكلفة عليه أن يتكبَّدها ويصبر عليها، مغلوبًا على أمره، حتى يأذن الله له بالفرج.  إلا أن الإيمان بالله والثقة في صلاحه خلقا في نفس وروح وذهن الأتقياء، العابرين في “وادي البكاء”، مبادئ في منتهى السمو، جعلتهم يحسبون حساباتهم بطريقة أفضل مما اعتاد عليه البشر، حتى المؤمنين منهم في وقت تخليهم عن ثقتهم في إلههم.  ومن هذه المبادئ الرائعة هو اعتبار الألم هبة من الله، كأيَّة هبة أخرى، نظير هبة الإيمان مثلاً؛ ولها قصد ودور في حياتهم.  حتى وإن كان ذلك الاعتبار ضد الواقع والمنطق، فالمؤمنون لا يحكمهم الواقع والمنطق في الأمور الإلهية.

لكن دعنا نتساءل: لماذا نعتبر الألم هبة من الله؟

في الحقيقة هناك أسباب تدعونا لذلك:

أولاً: لأن يد الله الصالحة هي التي صنعته في حياتنا

إن يد الله مليئة بالصلاح مِن جهتنا، والإيمان هو القادر على أن يرى يد الله العاملة، فهي ليس فقط سمحت، بل صاغت ودبَّرت (أع4: 28).  وهنا الحكمة التي تفوق أفهام الناس، والتي يستوعبها الإيمان وحده (رو11: 33).  فالأمور ليست عفوية أو عشوائية، بل هناك الحكمة والصلاح والحب والقوة، تصيغ وتنسج وتقدِّم وتهب وتُعطي، ولا شيء خارج عن سلطان تلك اليد الماهرة «مَنْ ذَا الَّذِي يَقُولُ فَيَكُونَ وَالرَّبُّ لَمْ يَأْمُرْ؟  مِنْ فَمِ الْعَلِيِّ أَلاَ تَخْرُجُ الشُّرُورُ وَالْخَيْرُ؟» (مرا 3: 37، 38).  والله ليس فقط لديه العلم بما نتألم به، بل هو الذي نسج خيوط الأمر بدقائقه وتفصيلاته، لذا نَقْبَل مِن اليد ونُقَبِّلها «أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟» (أي2: 10).

ثانيًا: لأننا نتعلَّم الاتكال على الرب والثقة فيه

نحن نعتبر الألم هبة لأننا نتعلم من خلاله الاتكال الكامل والحقيقي على نعمة الله، ونثق الثقة الفعلية في حكمته الإلهية (مز13: 5).  إن طرق الله مليئة بالحكمة التي تفوق أفهامنا جميعًا، فحتى لو لم نجد تفسيرًا لما يحدث لنا، علينا أن نثق فيه الثقة الكاملة، كثقة الفطيم نحو أمه (مز131: 2)، فهذا سوف يُعطينا فرصة للشكر، لا للشكوى؛ للحمد لا للأنين.  وفي الوقت نفسه فرصة لتدريب إرادتنا الخشنة على الخضوع «لَكِنْ كَانَ لَنَا فِي أَنْفُسِنَا حُكْمُ الْمَوْتِ، لِكَيْ لاَ نَكُونَ مُتَّكِلِينَ عَلَى أَنْفُسِنَا بَلْ عَلَى اللهِ الَّذِي يُقِيمُ الأَمْوَاتَ» (2كو1: 9).

ثالثًا: لأننا نتعلَّم عن إلهنا ما لا نتعلمه في مجال آخر

من أسباب اعتبارنا الألم هبة من الله هو أنه مجال يجد فيه الله الفرصة ليُعلمنا عن صفاته وطبيعته وطرقه ما لا نتعلمه في مجال آخر.  أَلم يَقُل أيوب بعد سلسلة تجاربه المريرة «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ … بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي»؟ (أي42: 2، 5)، وذلك لأن اعتبارنا الألم هبة يُهيئ نفوسنا بطريقة أفضل لسماع صوت الله وهمساته، ويجعل أذهاننا أكثر توافقًا مع فكر الرب من جهتنا ومن جهة طرقه معنا.  لقد تعلَّم يوسف في الألم ما لم يتعلمه غيره في مجال آخر.  ليتنا لا نغلق قلوبنا في وجه الرب بالأنين والضجر!  ويا ليت مداركنا تتسع بالانتظار والصبر والتسليم، لفائدتنا وتقدمنا (أي13: 15).

رابعًا: لأننا نجد الفرصة للشهادة عن الرب

من أجمل الأسباب لاعتبارنا الألم هبة من الله لنا، أننا نجد الفرصة متاحة لنا، والباب مفتوحًا على مصراعيه لنُقدّم أروع شهادة عن إلهنا الحكيم البصير والمحب، الودود والصالح (1تس2: 2).  قد لا يكون لنا أي دور في تقديم شهادة علنية بالوعظ أو التعليم للآخرين، ولكن حين يمنحني الرب هبة الألم، فكأنه يمنحني أروع فرصة للشهادة العلنية ذات التأثير الكبير في الآخرين «كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا» (2كو5: 20).  فهل ندع الفرصة تفلت، والوقت يضيع في البحث المضني وراء: “لماذا؟” و“من؟” و“كيف؟”، أم أننا نشترك مع الله في قصده ونحقِّق لله غرضه من خلالنا؟

خامسًا: لأن الله يستخدمه لفائدة آخرين

يعطينا الرب هبة الألم، ونحن نقبلها كذلك تمامًا، عالمين أنه سيأتي الوقت الذي فيه يُرينا كيف أن هناك كثيرين قد استفادوا خير استفادة، وتعلَّموا منه عن إلهنا ما لم يكن بوسعنا أن ننادي لهم به، ولا أن نتفوه به يومًا أمام أحد منهم «يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ!» (رو11: 33).

علينا أن نعلم أن هبات الله – ومنها الألم – ليس لمجرد سداد احتياجاتنا وإعوازاتنا، بل لفائدة آخرين أيضًا، وهذا من مقاصد وجودنا على الأرض.  لتعطنا يا رب إدراكًا أعمق عن طرقك، وفهمًا أفضل عن أفكارك الصالحة، حتى نقبل من يدك هبة الألم!

سادسًا: لأن في النهاية سيتمجد الله

وهنا نأتي لسبب آخر يجعلنا نحسب الألم هبة من الله، وهو مجد الله في حياتنا من خلال ما نجتاز فيه في هذا العالم «يَتَعَظَّمُ الْمَسِيحُ فِي جَسَدِي، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيَاةٍ أَمْ بِمَوْتٍ» (في1: 20).  حين نعلم أن الله سيتمجَّد من خلالنا، هذا يجعلنا لا نرفض شيئًا مما تُكرمنا به يده الصالحة، حتى وإن كان ذلك مؤلمًا.  أَليس جميعنا نبغي مجد اسمه؟  فإن كان له مجد من خلال آلامنا، فليتنا نقول بملء القلب والفم: «بِهَذَا أَنَا أَفْرَحُ» (في1: 18).

سابعًا: لأننا سنكافأ

وأخيرًا، نحن نحسب الألم هِبَة لأنه لا بد أن القلب الذي سمح لنا بالألم، يحفظ لنا المكافأة (رو8: 18)، واليد التي قدَّمت لنا هِبَة الألم هي التي ستمسح كل دمعة من عيوننا (رؤ21: 4).  وحين نسمع من شفتيه كلمات المديح (مت25: 21)، سيكون ذلك تعويضًا كافيًا، بل وعظيمًا عن كل ما اجتازت فيه النفس من ألم.

لذا – عزيزي القارئ – لا يهن العزم منك، ولا تخف، إن لِتعبك أجرًا ومكافأة.  إن ربك فوق الكل، فاحسب حساباتك بالإيمان، واترك العيان لأنه باطل.  قف في صفوف الأبطال، واطرح كل فكر انهزامي، ومد بصرك خلف سواد الغيوم، فيُشرق في نفسك نور كوكب الصباح، وتستدفئ روحك بشمس البر الشافية، واستمتع بحساب الإيمان أن الألم هبة من الله. 

Share this Post

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*