الله في وسطها فلن تتزعزع

الله في وسطها فلن تتزعزع

الاخ محب ناصيف

أكتب هذه الكلمات إلى أحبائي الشباب للتشجيع والتثبيت والإنهاض والتحذير، لكي لا نفشل أو نخور وسط كل الصعوبات والمُفشِّلات التي تواجهنا في هذه الأيام.

الثبات وسط العواصف والمتغيرات:

أيها الشاب المؤمن العزيز … لا تنزعج إذا عَصَفَتْ بك الرياح، ولاتيأس إذا أظْلَمَتْ الدُّنيا من حولك بالغيم الثقيل، واشتدَّ عليك نوءٌ ليس بقليل، ولا تضطرب إذا رأيت السفينة تنحل من عنف الأمواج، فالله في وسطها، يُمسك بالزمام ويُسيطر على الأحداث.   ولا تكن طفلاً محمولاً بكل ريح تعليم، ولا تفقد الثقة في مصداقية الأمور الإلهية، بل «اثبتْ على ما تعلَّمتَ وأيقنتَ، عارفًا مِمَنْ تعلَّمتَ» (2تي 14:3).  فقد تسمع وترى مُتناقضات مُحيِّرة، ومُتغيرات مُربكة، ليس في العالم، بل في الأوساط الروحية الكنسية.  وقد تتساءل: «هل هذه الأمور هكذا؟».  إن «الصِّدِّيق كشبلٍ ثَبِيتٍ»، يقف راسخًا على صخرة الإعلان المُقدَّم في كلمة الله، ويمتحن كل شيء في ضوء: «ماذا يقول الكتاب؟»

كان الرسول بولس يشعر بالقلق على المؤمنين في غلاطية من جهة ثباتهم في الحق، فكتب إليهم قائلاً: «إن بشَّرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشَّرناكم، فليكن أناثيما» (محرومًا) (غل8:1)، مؤكِّدًا أن المبادئ والأساسات التي وُضعَتْ لا يُمكن أن تتغيَّر.

والآن دعونا نتساءل: هل حقًا نحن نعيش الآن في الأيام الأخيرة قبل مجيء المسيح للاختطاف؟ وهل وصلنا فعلاً إلى مشارف النهاية، وشمسُ النعمة على وشك المغيب؟ وكيف نتحقَّق من ذلك؟ وما هي الملامح الصادقة والكتابية لهذه الأيام؟ وما هو الانعكاس الصحيح علينا إزاء هذه الحقيقة؟ وما هي الرسالة الحيَّة التي لنا من الله في هذه الأيام الأخيرة؟

لا شك أننا نعيش في أيام ضَعُفَتْ فيها الشهادة بشكل مُحزن، وتزعزعتْ المبادئ،  وساد الفتور وعدم الاكتراث والفقر الروحي.  لقد ذهبت القوة والنضارة والمحبة الأولى، وتسرَّب العالم بمبادئه إلى الكنيسة، وغلب النعاس المؤمنين في الساعات الأخيرة من الليل فارتخت الأيدي، وصار الكثيرون يطلبون كل واحد ما هو لنفسه.  وبالإجمال لقد أصبح سراجُ الله على وشك أن ينطفئ، وهذا هو طابع الأيام الأخيرة.  ولكن مع كل ذلك فإن «الله في وسطها فلن تتزعزع».  وهو في نعمته، كما في كل العصور، يُبقي لنفسه بقيَّة تُمثِّل الشهادة الجماعية له على الأرض.  هذه الشهادة ليست مُمثَّلة في أفراد أو مجموعات فقط، تعمل عمل الرب هنا وهناك، بل في كنيسة الله، التي هي المجال لاستعراض مجد الله ونعمته وحكمته، منذ تأسيسها يوم الخمسين، وإلى أبد الآبدين.  وهذا ما قاله بولس الذي اختص بإعلان مقاصد الله نحو المسيح والكنيسة: «له المجد في الكنيسة في المسيح يسوع إلى جميع أجيال دهر الدهور» (أف 21:3).  وبالطبع فإن مشروع الله لا يُمكن أن يخيب.  وسيظل الرب، رغم الضعف والفشل وسوء الحالة الأدبية، وسط شعبه ويُعين الكنيسة، يُحقِّق حضوره بالنعمة غير المشروطة ، حتى لو تقلَّص العدد إلى اثنين أو ثلاثة (مت 20:18).  يمشي وسط المناير السبع، يُصلح السُّرُج، ويُمسك الكواكب السبعة في يمينه (رؤ13:1، 16).  يُشدِّد الأيادي المسترخية ويُشجِّع النفوس الحائرة والخائرة والعاثرة.  إنه عاضد كلَّ الساقطين ومُقوِّم كلَّ المنحنين.  وخدمته كالكاهن والشفيع في العرش لن تتوقف بسبب كثرة مشاكلنا وتعثُّرنا وأخطائنا وخيانتنا، بل سيظل يخدمنا ويُكمِّلنا، ويؤدِّبنا للمنفعة لكي نشترك في قداسته.  يعالج أخطاءنا ويسترنا بنعمته الكافية طول الطريق، حتى يُحضر الكنيسة لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن … بل تكون مُقدَّسةً وبلا عيب.

ومع أننا في الأيام الأخيرة، وعلينا أن نتحرَّك ونمد أيدينا بأقصى طاقة لنُنقذ ما يمكن إنقاذه، ونصل برسالة النعمة إلى النفوس الهالكة التي مات المسيح لأجلها قبل أن يُغلَق الباب، فهذه أشواق المسيح؛ لكن هذا لايعني أن نتحوَّل عن الحق الخاص بالكنيسة كبيت الله، ونهجر الإجتماعات، فهذه أيضًا أشواق المسيح ورغبة قلبه.  إن الاتزان مطلوب لكي نُحفَظ من التطرُّف.  ومع أن بيت الله أصبح بيتًا كبيرًا امتلأ بأواني الهوان واختلطت فيه الأمور (2تي 20:2)، ولا يُمكن إصلاحه ككل، كما لا يُمكن الخروج منه، حيث أن البيت الكبير هو دائرة المسيحية؛ لكن هذا أيضًا لا يعني أن نتعايش مع شرور البيت الكبير.  والحل هو الانفصال إلى الرب باعتباره المركز الوحيد والرأس الذي نجتمع إليه، بعيدًا عن كل ما لا يتَّفق معه كالقدُّوس الحق، وسط التشويش الحادث في المسيحية بوجه عام.  هذا ما تعلَّمناه من كلمة الله، وهذا ما قاله بولس لتيموثاوس عن الموقف الصحيح لإنسان الله في الأيام الأخيرة، وهو داخل البيت الكبير، لكي يكون إناءً للكرامة مُقدَّسًا نافعًا لخدمة السيد ومُستعدًا لكل عمل صالح (2تي 21:2).  ألسنا نحن نُمثِّل بيت الله على الأرض، وعلينا أن نحافظ على مبادئه وترتيبه وقداسته التي تليق برب البيت، وهو يتوقَّع منا ذلك بالنظر للنور الذي وصلنا؟ وإذا أهملنا ذلك فإننا نُخطئ إلى النور، ونجرح مشاعر السيد المرفوض من العالم ومن المسيحية الاسمية.  أين يُكرَم المسيح ويجد راحته ويأخذ مكانه كالرأس والرئيس ويُمارس سلطانه؟ أ ليس في بيته؟ أو قُلْ في الجزء المُرتَّب من البيت الكبير. 

وأين الكهنوت المُقدَّس لتقديم الذبائح الروحية المقبولة؟ أ ليس في البيت الروحي (1بط 5:2)؟، وأين يُطعَم أولاد الله؟ أ ليس في كنيسة الله؟ وكيف ينطلق الشاب في خدمة ناجحة على نطاق واسع ما لم يتأسس ويُبنى وينمو ويتعلَّم ويكتشف موهبته ويمارسها ويتدرَّب أولاً في الاجتماعات الكنسية؟ وهذا ما حدث مع كل الخدام والقادة الناجحين الآن في ساحة الخدمة.  وبالطبع يجب أن يجد الشاب الرعاية والقدوة والتشجيع والتوجيه والاحتضان من الآباء والشيوخ في الاجتماعات.  ونحن نعترف بوجود قصور كبير بيننا في هذا المجال، ونتضرَّع أن يُعالج الرب هذا النقص عندنا.

وحتى لو كان الاجتماع ضعيفًا وفقيرًا في المواهب والطعام والرعاية، كما لو أنَّ أطفالاً نشأوا في بيت فقير محدود الإمكانيات، وبين الحين والحين يُرسل لهم الرب إمدادًا وطعامًا، يفرحون به ويقتاتون عليه.  هل لأن البيتَ فقيرٌ يتركه الأطفال ويبحثون عن بدائل؟ وما هو شعورك إذا كان ابنك يترك البيت ويحتقره بسبب حالة الفقر، ويبحث عن بدائل؟ وبالأولى ما هو شعور الله وهو يرى أولاده وقد ضعف جدًا انتماؤهم  للبيت وهجروه؟  إن الحل هو أن يتضرَّعوا إلى الرب ويتعلَّقوا به لكي يفتقدهم ويُرسل لهم المعونة والإمداد.  وهل الرب الكلي الحنان سيتركهم وهو يرى أشواقهم وإخلاصهم؟ حاشا.  وأقول لكل العاملين والخادمين: إن الأطفال، في كل الاجتماعات، يلتمسون خبزًا وليس مَنْ يكسره لهم.  وعلينا أن نتحرَّك بأوفر نشاط لكي نُطعم القطيع الجائع، مُتذكِّرين قول الرب لبطرس على بحر طبرية: «أتحبني؟…ارع خرافي (اطعم حملاني)» (يو15:21).

إن أولاد الله يحتاجون إلى الأُبوَّة حيث النُّصح والتشجيع والعطف والمشورة والقدوة، وإلى الأمومة حيث الترفُّق والحنان والرعاية والإطعام والعلاج والاحتضان.  إنهم يحتاجون إلى الشعور بالانتماء وإلى مَنْ يسأل عنهم ويعتني بهم.  ويحتاجون إلى جو المحبة والشركة.  وهذا ما ينبغي أن يتوفَّر في كنيسة الله.  ولكننا يجب أن نعترف بالضعف والقصور في الأيام الأخيرة.  ونحن لا نتوقَّع الصورة المثالية في مشهد الفشل الذي يسود، وإنما نتعايش مع الأمور الصغيرة، ونتعلَّق بالرب راعي الخراف العظيم، لكي يُكمِّل نقصنا، ويُشدِّد أيادينا، فنُشدِّد نحن أيضًا ما بقي، منتظرين رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية.

ولحديثنا بقية إذا شاء الرب

Share this Post

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*