الكنيسة حضن دافئ في عالم بارد

الكنيسة حضن دافئ في عالم بارد

الاخ د. فريد زكي

أحبائي الشباب، ما أروع نعمة الله التي أتحَدَتنا بشخص المسيح وببعضنا البعض في أجمل صورة وأوثق علاقة، وهي جسد المسيح.  فقد ارتبطنا بالمسيح، الذي هو رأس الجسد، وارتبطنا ببعضنا البعض كأعضاء الجسد.  هذا الحق الثمين أعتقد أنه معروف لدى الكثيرين منكم، ولكن ما أتناوله في حديثي معكم هو التأثير العملي له في حياتنا، وكيفية انعكاسه على ارتباطنا بكنيسة الله، وبشركتنا مع إخوتنا في كنائسنا المحلية.

فكم نحن جميعًا في احتياج دائم لارتباط وثيق بإخوتنا في الكنيسة، خاصة ونحن نستشعر مناخ العالم الذي لا يمكن أن يقدِّم لنا أي سداد لحاجاتنا الروحية أو النفسية والعاطفية.  ألسنا نشعر أن العالم أرض ناشفة ويابسة وبلا ماء؟ أليس هو مكان يابس وأرض معيية؟  إنه منفصل عن الله، بكل ما فيه: بثقافته وسياسته وفنونه وحتى دينه، لذا فإننا نلمس برودة الموت فيه، ولا يمكن أن يقدِّم لنفوسنا دفئًا روحيًا ونفسيًا.  يستحيل أن يقدِّم لنا فرحًا وإنعاشًا وتشجيعًا.

وأنا أعلم أن هذا هو اختبار الكثيرين منكم؛ ففي نهاية يوم تقضونه في العالم، لا غرابة إن شعرتم بالخواء النفسي والعطش الروحي، هل فكَّرتم: لماذا؟ لأن هذا النظام المستقل عن الله لا يعرف سوى الأنانية والانتهازية والقسوة والظلم والخداع والغش، ناهيك عن النجاسة والفساد.  لكن كم نشكر الله لأجل كنيسته التي هي بحق حضن دافئ في عالم بارد.

ففيها نجد إخوتنا المؤمنين الذين وصفهم الرب بالقديسين والأفاضل الذين في الأرض، إنهم بحق العائلة الكبيرة التي في وسطها نشعر بدفء الأسرة المريح.

كنيسة الله ومناخها الصحي

يتحدث العهد الجديد كثيرًا عن الجوانب المتعدِّدة لعلاقة المؤمنين بعضهم ببعض، وعند التأمل فيها سنرى كيف أنه في شركة المؤمنين معًا في الكنيسة والأدوار التي يقوم بها كل منهم للآخر، إشباعًا لاحتياجاتهم الروحية والنفسية.

تأملوا معي أحبائي الشباب في هذه الأدوار ولاحظوا أهميتها لنفوسكم:

المحبة بعضنا لبعض (يو 13: 24، 35).  ويقول الرسول بولس أيضًا «لا تكونوا مديونين لأحد بشيء إلا بأن يحب بعضكم بعضًا.  لأن من أحب غيره فقد أكمل الناموس» (رو 13: 8).  والمحبة بين الإخوة هي إحدى دلائل إيمانهم الحقيقي «نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الإخوة» (1يو 3: 14).  ويتكرر الحديث عن المحبة كثيرًا في العهد الجديد؛ هذه المحبة الإلهية التي يمارسها المؤمنون معًا وصورها العملية المختلفة في كنيسة الله تشبع أعمق الاحتياجات النفسية.  ففي مناخ المحبة يوجد الإحساس بالطمأنينة والأمان.  عندما يُحَبْ المؤمن دون أن يُنتظر منه أن يفعل شيئًا أو يقدِّم شيئًا نظير المحبة، وعندما يجد المؤمن محبة تستر الأخطاء ولا تفضحها، محبة تقبله رغم ضعفه وقصوره؛ فكم يشعر بالأمان.  وكما قيل عن محبة الله إنها تطرد الخوف إلى خارج؛ فإن محبة المؤمنين بعضهم لبعض تُطرَد كل المخاوف.  أين هذا في العالم؟!

والمحبة أيضًا تشبع الحاجة إلى الانتماء، وهو شعور أساسي وضروري للاتزان النفسي للإنسان، وبدونه كأنّ الشخص في ضياع.  تصور معي الشاب في الكنيسة وهو يختبر أن الشيخ هو أبوه، والأخت العجوز هي أمه، والشاب نظيره هو أخوه، والشابة هي أخته، والصغار هم إخوته الأصغر؛ وتنساب بين الجميع عواطف المحبة الإلهية، المحبة الصادقة الخالية من الرياء؛ كم يملأ هذا الأمر حاجته للانتماء.  وكم من شباب كانت لهم الكنيسة تعويضًا عن الأسرة والأقارب أو الزملاء، وشعروا فيها بالانتماء الحقيقي.

قبول بعضنا البعض «اقبلوا بعضكم بعض كما أن المسيح أيضًا قبلنا لمجد الله» (رو 15: 7).  في قبول احدنا الآخر إشباع لاحتياج عميق في نفوسنا، فكل واحد منا يحتاج إلى القبول من الآخرين، وإذا افتقدناه فهذا يسبب لنا جرحًا نفسيًا عميقًا؛ إذ أن الإحساس بالرفض مرير للغاية، لكن كم نشكر الله لأجل مناخ الكنيسة.  وكم من شباب كانوا يعانون من الإحساس بالرفض، لسبب أسلوب التربية، أو المعاملة السيئة من زملاء الدراسة، أو ربما لسبب عيوب شخصية فيهم؛ لكنهم اختبروا في قبول إخوتهم لهم علاجًا عظيمًا.

غسل أرجل بعضنا البعض (يو 13: 14).  إنه عمل روحي مؤدَّاه إنعاش القلب وتشجيعه للشركة مع الرب، ودفع المؤمن للأمام روحيًا.  ويتم في تواجدنا معًا في الاجتماعات الروحية، وفى افتقادنا احدنا للآخر بزيارة أو اتصال تليفوني أو كتابة رسالة على البريد الالكتروني.  المهم أنه يجعل الشخص أكثر رغبة في الاقتراب من الرب.  يا لها من خدمة نقوم بها أحدنا مع الآخر في وسط جو العالم!

حمل بعضنا أثقال بعض. «احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمِّموا ناموس المسيح» (غل 6: 2).  كم من نفوس كانت تتعرّض لظروف نفسية مؤلمة، وكادت تخور تحت وطأتها، لكنها تشجَّعت كثيرًا بمشاركة أخ أو أخت؛ ربما بفتح القلب لسماع المشكلة، أو بسكب القلب في الصلاة مع المتألم، أو ربما بالتواجد مع آخر في أثناء مرض أو إجراء عملية جراحية، أو أحيانًا في ظروف ألم وحزن لفراق عزيز.  حقًا مَن مثل الإخوة المؤمنون يمكنهم أن يحملوا أثقال بعض؟!

ما أروع مناخ كنيسة الله

وكم يخسر من يعزل نفسه عن الشركة مع إخوته المؤمنين.

أحبائي الشباب ما أروع مناخ كنيسة الله وكم يخسر من يعزل نفسه عن الشركة مع إخوته المؤمنين.

الخدمة بعضنا لبعض. «ليكن كل واحد بحسب ما أخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعضًا كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة» (1بط 4: 10).

من المهم أن نعرف أن الدائرة الأولى التي يكتشف فيها الشباب موهبته هي في كنيسته المحلية وبين إخوته؛ شيوخهم وشبانهم.  ثم يبدأ في ممارسة موهبته هناك، وتُصقل الموهبة في وسط الجماعة، وكلّما تقدَّم روحيًا يكتشف كيف أن الرب يشرِّفه بأن يستخدمه لبركة وبنيان إخوته وتقدُّمهم وفرحهم في الإيمان.  بلا شك أن لهذا تأثيرًا روحيًا عميقًا على الشاب.  وحتى من الجانب النفسي، فإن امتياز الاستخدام الإلهي يُشعِرَه أيضًا بقيمته لدى إخوته، وبدوره في كنيسته.  وعندما يشجِّعه أحد الإخوة المتقدّمين، كم يؤدي هذا إلى إحساس عميق بالتقدير، واعتقد أن هذا من أهم الاحتياجات النفسية للإنسان خاصة الشباب.  نعم أحبائي الشباب إن الرب جعلنا وكلاء على نعمته المتنوعة، أعطانا مواهب عديدة لنخدم بها بعضنا بعضًا.  يا للامتياز والشرف!!

أحبائي الشباب ألا ترون معي كيف أن ارتباطنا بكنيسة الله أمر ضروري وأساسي لحياتنا ونفوسنا من الناحية الروحية والنفسية والعاطفية أيضًا؟  لكن لي معكم كلمة أخيرة: ترى ما الذي اقصده بكنيسة الله أو بعلاقتنا بعضنا مع بعض؟

كنيسة الله كما وصفها العهد الجديد

اختزل بعض الشباب الأحباء مفهوم الكنيسة عندهم إلى الاجتماعات النوعية فقط، وبعضهم اقتصر حضوره وتواجده على اجتماعات الشباب أو الخدمة في مدارس الأحد أو الناشئ، أو المشاركة في الخدمات الكرازية، أو الاكتفاء بحضور بعض الفرص الخاصة.  وهم بذلك لا يتمتعون بالبركات الناتجة عن تواجدهم وتفاعلهم مع كل إخوتهم بمختلف أعمارهم ونوعياتهم.  لكن الأخطر أنهم يحيدون عن الفكر الإلهي الذي قصده الرب لكنيسته.

عند دراستنا للعهد الجديد نفهم أن الكنيسة لا يُقصَد بها شريحة عمرية معيَّنة أو فئة خاصة أو طبقة اجتماعية معيّنة، لكن دائمًا يُقصد بها كل الإخوة المؤمنين: الشيوخ والعجائز، الشبان والشابات، الفقراء والأغنياء.  هذا ما نراه بوضوح في سفر الأعمال، بصفة خاصة في الأصحاحات الأولى؛ وكذلك في باقي أجزاء العهد الجديد.

وإني أخشى يا أحبائي الشباب أن تكتفوا بالعلاقة مع مَن على شاكلتكم اجتماعيًا أو ماديًا أو ثقافيًا، إذ ليست هذه هي الصورة التي تُفرِّح قلب الرب.

لكن أشجِّعكم على الارتباط بكل من تتكون منهم الكنيسة وفى النهاية ألخِّص أشواقي لكم في أمرين:

 التواجد بقدر المستطاع في الاجتماعات الكنسية والارتباط بالإخوة جميعًا وفى كل الأنشطة المرتبطة والمشاركة بالجماعة المحلية.

 الشركة مع بقية الإخوة في الاجتماعات الأخرى والتواجد معهم في الفرص الروحية المشتركة.

Share this Post

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*