أما أنا فصلاة

أما أنا فصلاة

الاخ أمين هلال

أن ربنا يسوع المسيح هو ابن الله الأزلي الأبدي، في ملء الزمان جاء إلى الأرض في صورة عبد صائراً في شبه الناس، إذ مكتوب «والكلمة صار جسداً وحل بيننا» (يوحنا 1: 14)، وعندما صار إنساناً تميزت حياته بالصلاة، بل كان هو رجل الصلاة الأعظم في الكتاب المقدس، فهو وحده الذي استطاع أن يقول بروح النبوة: «أما أنا فصلاة» (مزمور 109: 4) أي أعطيتُ نفسي الصلاة، فلقد غُمر تماماً بعادة الصلاة، عاش فيها وعاشت فيه، فأصبحت من مكونات حياته الإنسانية الفريدة، إذ يُذكر في لوقا 22 : 39 – 41 أنه «خرج ومضى كالعادة إلى جبل الزيتون .. وجثا على ركبتيه وصلى»، وما أكثر العادات التي تُمْسِك بالإنسان.  فيها ما هو حسن وفيها ما هو سيّئ.  وكان لدى هذا الإنسان الكامل تلك العادة الجميلة ألا وهى الصلاة، ونحن بحاجة أن تتأصَّل فينا يومياً هذه العادة، وأن نصلي بلا انقطاع (1تس 5 : 17)، وأن نصلى كل حين ولا نمل (لو 18 : 1)، وأن نواظب عليها كما يقول الكتاب: «واظبوا على الصلاة ساهرين فيها بالشكر» (كو 4: 2).

كان المسيح له المجد كإنسان على الأرض يحظى دائماً برضى السماء، فقد شهد عنه الآب أكثر من مرة «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» (متى 3 : 17) وأيضاً «هوذا فتاي الذي اخترته حبيبي الذي سُرَّتْ به نفسي» (متى 12: 18).  لقد كان كاملاً في كل شيء ومن ضمن الكمال الأدبي العظيم الذي تميَّز به هو روح الاتكال والاعتماد على الله في كل شيء.  فهو لم يستقل عن الله قط ولم يعمل شيئاً واحداً من نفسه، وأعظم تعبير عن هذا الاتكال ظهر في حياة الصلاة التي عاشها كإنسان كامل على الأرض.  فالصلاة تليق بالبشر باعتبار ضعفهم واحتياجهم إلى المعونة من قبل الله، والمسيح له المجد يعلن كانسان أن الله ملجأه الذي تعلق به في كل الظروف، وقد عبَّر عن ذلك بقوله: «احفظني يا الله لأني عليك توكلت» (مزمور 16 : 1).

كان في هذا العالم إنساناً رقيق المشاعر ومرهف الإحساس يواجه ظروفاً معاكسة، ليس فقط من الأعداء بل حتى من تلاميذه الذين لم يفهموا أفكاره ولم يشاركوه أفراحه ولا أحزانه، ولهذا كان يذهب منفرداً ليصلي، وفى خلوته مع أبيه كان يسكب شكواه ويفضي بكل متاعبه هناك، في حضرة الآب يستمد التعويضات والتشجيعات الإلهية من الآب الذي يُحبه ويُقدِّره.

إن الرب يسوع المسيح لم يُمَارِس الصلاة فحسب، بل علَّم تلاميذه أيضاً الصلاة، وحرَّضهم مراراً عليها.  وإن كان المسيح له المجد هو قُدُّوس الله وهو الإنسان الخالي من الخطية، كان يُصلِّى، فكم بالحري نحن.  إن أعظم طريقة علَّم بها تلاميذه الصلاة هي مثاله وأمثاله وكلامه، فمرة بعد أن فرغ المسيح من الصلاة سأله واحد من تلاميذه قائلاً: «يا رب علمنا أن نصلي» (لو 11: 1) وذلك لأنه عَمِلَ وعلَّم.  وفى المَثَل الوارد ذكره في لوقا 11 حدثنا المسيح له المجد عن رجل في احتياج ويمضي إلى صديقه في نصف الليل طالباً المعونة بلجاجة، بينما المثل الوارد ذكره في لوقا 18 حدثنا عن امرأة أرملة تصرخ لقاضي الظلم لكي يُنصفها من خصمها، وهنا نتعلَّم أن كل أولاد الله رجالاً ونساءً يحتاجون إلى الصلاة.  لقد صلَّى المسيح له المجد:

أولاً: في أماكن مختلفة: فمرة نراه مصلياً في مياه نهر الأردن (لو 3 : 21) ومرة أخرى نراه على الجبل (مت 14 : 23؛ لو 6 : 12، 9 : 29) وثالثة نراه في البراري (لو 5 : 16) ورابعة في موضع خلاء (مر 1 : 35؛ لو 11 : 1) وخامسة في ضيعة (أو بستان) يُقال لها جثسيمانى (مت 26: 36؛ يو 18 : 1).  ومن الرب نتعلَّم أن نصلي في أي مكان سواء في المنزل أو العمل أو الشارع، فبطرس صلى على السطح، وبولس وسيلا صليا في السجن (أع 10 : 9، 16: 25).

ثانياً: فى ساعات مختلفة من اليوم: فمرة نراه -تبارك اسمه- مُصلياً في الصبح باكراً جداً (مر 1 : 35) وأخرى لما صار المساء (مت 14 : 23) وثالثة في الليل حيث قضى الليل كله في الصلاة لله (لو 6 : 12).  ومن الرب نتعلَّم أنه لا توجد ساعة مُحدَّدة للصلاة، بل ينبغي أن يُصلَّى كل حين ولا يُمل، أي أن نكون في روح الصلاة باستمرار.

ثالثاً: فى ظروف مختلفة:

فعندما قُبِلَت خدمته وذاع الخبر أكثر واجتمع جموع كثيرة نراه -تبارك اسمه- يعتزل في البراري ويصلي (لو5 : 15،16) وبعد معجزة إشباع الجموع إذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً، صرف الجموع وصعد إلى الجبل منفرداً ليصلي (مت 14 : 23؛ يو 6 : 15).

وعندما رُفِضَت خدمته حين ذهب إلى كورزين وبيت صيدا وكفر ناحوم نراه يتهلَّل بالروح ويحمد الآب رب السماء والأرض (مت 11: 20-26).

وبالرغم من التعب والإعياء في الخدمة بعد يوم طويل نراه في صباح الغد باكراً جداً يذهب إلى موضع خلاء ويصلي (مر 1 : 35).

وفى ساعات الألم والانفراد وهو على الصليب نراه مُصلياً للآب (لو 23 : 34).  ومن هذا نتعلم أنه ينبغي أن نصلي في كل ظروف حياتنا.

رابعاً: صلى لأجل أشخاص مختلفين: فمرة نراه مُصلياً لأجل أحبائه في يوحنا 17 ومرة أخرى نراه مُصلياً لأجل أعدائه طالباً لهم الغفران (لو 23 : 34)، وصلى من أجل الجمع الواقف عند قبر لعازر ليؤمنوا أن الآب قد أرسله (يو 11 : 42)، وطلب من أجل بطرس لكي لا يفنى إيمانه (لو 22 : 32).  ومن الكتاب نتعلَّم أن نصلي لأجل جميع الناس، لأجل الملوك وجميع الذين هم في منصب لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار، نصلى من أجل كل المؤمنين وأحبائنا وعائلاتنا وبيوتنا وأقاربنا وحتى أعدائنا ومَنْ يسيء إلينا.

خامساً: صلى في أوضاع مختلفة: فمرة نراه مُصلياً واقفاً عند قبر لعازر (يو 11) ومرة أخرى نراه جاثياً على ركبتيه ووجهه إلى الأرض (مت 26 : 39؛ مر 14 : 35؛ لو 22 : 41) وهذا يرينا روح الانكسار والاتضاع، روح الوقار والتقدير لله في الصلاة.  من الممكن لنا أن نجثو على ركبنا ونخر على وجوهنا بينما لا يوجد خشوع في قلوبنا.  وربما نخشع من قلوبنا وننكسر ونحن في أي وضع، لكن الأجمل أن يجتمع الاثنان معاً: خشوع القلب وانحناء الركب.  لذلك نتعلَّم من الرب أنه عندما نصلى، إما نكون واقفين أو راكعين على ركبنا وبكل خشوع.

سادساً: صلى منفرداً وعلى مرأى من التلاميذ ووسط الجمع: كثيراً ما صلى الرب منفرداً ومعتزلاً (مت 14 : 23؛ لو 5 : 16)، ومرات أخرى صلى على مرأى من التلاميذ (مت 26 : 36؛ لو 11 : 1) ومرات أخرى صلى وشكر أمام الجمع الكثير (مت 14 : 19؛ يو11 : 41،42) ومن هذا نتعلَّم أنه توجد صلاة فردية وعائلية وجماعية عندما تجتمع الكنيسة معاً (أع 12 : 5).

سابعاً: صلى لأغراض مختلفة: صلى وهو يعتمد قبل بدء خدمته العلنية (لو 3 : 21)، وصلى قبل اختيار الرسل الاثني عشر (لو 6 : 12)، صلى لكي يأتي إعلان الآب لبطرس أنه ابن الله الحي (مت 16 : 17؛ لو 9 : 18)، وصلى عند قبر لعازر ليؤمن الجمع أن الآب أرسله (يو 11 : 42)، وصلى ليتمجَّد اسم الآب (يو 12 : 28)، صلى من أجل التلاميذ (يو 17) ومن أجل أعدائه (لو 23 : 34).

Share this Post

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*